صل الحكومة الحالية ما قد بدأته حكومة "التغيير" بممارسة أقسى درجات الإضطهاد على "المواطن" التونسي، و كأن هذا "المواطن" لا يكفيه ما يواجهه في كل لحظة من شظف في العيش و قلّة في الموارد و فاقة و تفقير و تجويع و تهميش بسبب السياسة الإقتصادية العميلة والإنسياق وراء إملاءات صندوق النقد الدولي والبنوك المذلّة وكلّ تلك المؤسسات الدولية المسؤولة عن ضبط السياسات الإقتصادية والمالية بما يضمن إستمرار النظام الرأسمالي و مخططات حلف الناتو تحت عنوان كبير خادع: "التصحيح الإقتصادي"، هذا التصحيح المزعوم الذي أودى بآخر أمل لدى "المواطن" التونسي بتحسين ظروف عيشه بعد أن ثار على الظلم و الطغيان، و قدّم شهداء و جرحى محاولا كسر أغلال هذا النظام الفاسد
تحاول الرأسمالية التابعة منذ ما يسمّى بسياسة الإنفتاح خوصصة كل موارد البلاد تنفيذا لأومر صندوق النقد و البنك الدولي وغيرهما ممن أغرقوا الحكومات التونسيّة المتعاقبة في الديون الكريهة. و قد اتسعت دائرة التخريب و النهب لتشمل قطاع الصحة لتدمير ثروة تونس من السواعد البشرية. إذ يشهد قطاع الصحة العمومي تداعيات خطيرة تتمثّل في النقص الحاد للكوادر الطبية و الخبرات و الكفاءات العلمية المختصة نظرا لضعف التكوين، و نقص الأدوية و غلائها، و تهالك الأجهزة الطبية و أعطابها "المستدامة" و الافتقار للأجهزة الحديثة، و ضعف البنى التحتية للمستشفيات و المستوصفات إضافة إلى قلّة عددها قياسا بالكثافة السكّانية و هو ما يؤدي إلى "طوابير" طويلة من المرضى والمراجعين، فضلا على الفساد الإداري و المالي المستفحل، حيث يتعرض المرضى إمّا إلى الإهمال و تدنّي مستوى الخدمات أو إلى الإبتزاز من قبل "السماسرة" من أجل الخدمات المستحقّة أو لأجراء العمليات في المصحات الخاصة بدل العمومية.
عند أبواب المستشفيات العموميّة تتبخر تصريحات حكومة المشعوذين عن دور الدولة في النهوض بقطاع الصحة العمومي، وتنتفي الخطابات الرنانة للمعارضة عن دعمه و الدفاع عنه كحق شرعي وأولوية مطلقة.. هناك فقط يزداد المفقّرون فقرا، والمهمشون تهميشا و تغدو الصحة إمتيازا طبقيا لا تظفر به إلا الطبقة البرجوازيّة في المصحات الخاصّة
إن الحكومات العميلة المتعاقبة أهملت صحة التونسيين عبر سنوات متتالية، حيث أصبح المفقّر فريسة للفشل الكلوي و الإلتهاب الكبدي والسرطان إلى جانب أمراض السكر و القلب و المفاصل وغيرها، نظرا لضعف الحال و تفاقم عوامل إنتشار المرض من سوء تغدية و تدهور بيئي و بنيوي و البطالة و حوادث شغل و أمراض مهنية و تلوث الماء الصالح للشراب أو إنقطاعه و غيابه.. فالمستشفيات العموميّة لا توفّر لهؤلاء المهمشين حقهم في الرّعاية و العلاج، بل صارت مصدر عذاب ووكرا لممارسة الجرائم غير الإنسانية في حق شعب بكامله. إذ تمّ تقليص إستثمارات الدولة في أهم قطاع عموميّ إجتماعيّ لصالح إطلاق يد القطاع الخاص ليتحوّل التونسيين إلي سلع تباع و تذبح علي مسالخ المصحات الخاصة التي لا يستطيع غالبية التونسيين تحمل تكلفتها المرتفعة
إذا كان الميسورون و الأغنياء قد حلّوا المشكل الصحّي وحوّلوه إلى رفاه باللجوء إلى المصحات الخاصة قصد النقاهة أو العلاج، فإن المواطن العادي يعيش المآسي من كل الأنواع عند إضطراره لإجراء فحوص أو عملية جراحية أو إقتناء أدوية. فمجال الصحة صار من أهم المجالات التي يبرز فيها التفاوت الطبقي في المجتمع بجلاء مثير للسخط، حيث يتم تقاسم حظوظ الحياة بنفس كيفية تقاسم الخيارات و الثروات إذ أنّ جلّ حالات وفاة المفقّرين كان يمكن تفاديها لولا العوز المفروض بفعل طبيعة النظام القائم..
إنّ الحق في الصحة التي تتباهى به المعاهدات والمواثيق الدوليّة، حق من الحقوق الطبيعيّة للإنسان وليس منّة من أيّ حكومة أو حزب، نراهم يتشدقون به في خطاباتهم وبرامجهم الإنتخابيّة و لا أحد يعمل بصدق ليتجاوز المفهوم الضيّق لهذا المرفق الأساسيّ ليمتدّ إلى إعادة بناء منوال تنمويّ عادل يشمل التكافئ في الأجور والسكن الصحي والماء النقي والصرف الصحي والبيئة النظيفة كمفهوم أوسع وأعمق لحق الإنسان في الحياة الكريمة
______________________
عندما يتحول المستشفى العمومي إلى جحيم إنتظار، يمكن أن ينعم "غيرك" بالراحة في القاعات المكيفة للمستشفايات الخاصة
الصورة: باب سعدون / حي النصر - سبتمبر 2013.
[M o l o t o v | مـو لـو تـو ف]
