Overblog
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog

m o l o t o v . t u n i s i e

m o l o t o v . t u n i s i e

- Le journal -


سلفيّات: موسم الهجرة إلى الماضي

Publié par m o l o t o v مـولـوتـوف sur 5 Octobre 2013, 03:07am

Catégories : #Tunisie, #Révolution, #Opposition, #Gauche, #Molotov

إثنان يشدّ لهما الرحال: الماضي وأوهامه أو المستقبل وأحلامه. أما اليوم، فقد فرّ معشر "السلفيّين" من أحضان المستقبل وولوّا وجوههم شطر أرواح الموتى فأساؤوا للماضي وضيّقوا على الحاضر وخنقوا مساحة الأمل في المستقبل
في البداية لا بدّ من محاولة التذكير بمفهوم السلفيّة ولو بإيجاز، حتى وإن كنّا سنقع في الإقتضاب، فالسلفيّة تشير في أصلها الإصطلاحيّ إلى الإيديولوجيا الأصوليّة الإسلاميّة التي ترى بضرورة "إعادة إحياء تعاليم السلف الصالح" وتنشيط الصورة التي صنعتها المدونة الفقهيّة عن ماضي ذلك السلف، وخاصة منه ما يخصّ القرون الثلاثة الأولى للتاريخ الإسلامي، وذلك بقصد الإجابة على حاجيات وطموحات الحاضر. وهي، المدوّنة الفقهيّة، وإن راهنت نسبيّا مع الجيل الأوّل (محمد عبده، جمال الدين الأفغاني وغيرهما) على نبذ التقليد وإعادة فتح باب الإجتهاد، فإنّ منتسبيها اللاحقين وعوض أن يتداركوا هنات سابقيهم ويتجاوزوا ما وقعوا فيه من كبوات، سقطوا من جديد في فخ التقليد وأسطرة زمن البدايات وإسقاطه قسرا على واقع الحاضر المتغيّر وهو ما ينمّ عن إرادة إختزال التاريخ والنفاذ إلى ما يعتقدونه الأصل والحقيقة الصافيّة المعبرة عن جوهر العقيدة.. وبهذا المعنى تغدو السلفيّة بشكل عام منطقا في الفهم، بعيد عن طرق التفكير، يقوم أساسا على الوثوقيّة واللاتارخيّة وإعتبار أن اللحظة التأسيسيّة والأشخاص المؤسسين والنص التأسيسي عابرين للتاريخ خارقين لكلّ الأفكار البعديّة، كأن "غد الإنسانيّة الجميل" (أو غد المؤمنين كما يحلو لهم تسميته) قابع في ماضيها وليس في مستقبلها الشيء الذي أسقط منتسبيها في الظلاميّة الفكريّة ونبذ المختلف وإنعدام المنطق التحليليّ لمتغيّرات العالم وتقوقع الحجج وإنكماشها لحدّ الإنعدام ماألقى بهم آليّا في متاهات الكراهية والعنف
ولئن كانت صفة السلفيّة قد إرتبطت بتيّار معيّن ضمن "الفكر الإصلاحي الإسلامي" كما أشرنا، إلاّ أنها من حيث البنية المنطقيّة وآليات التفكير أضحت سِمة تسللت إلى كلّ التيارات الفكريّة والسياسيّة بلا إستثناء حتى تلك الأشدّ تبجحّا بالعلميّة والموضوعيّة والتقدميّة.. فإنسداد أفق الإجتهاد عند هذه التيّارات اليوم وتفشّي التقليد والكفّ عن التأمّل في واقع الشعوب الآن وهنا، ومعالجته بما يقتضيه الممكن والمتاح دون إنحراف أو زيغ عن المبادئ والأهداف وإنسياق للفهم المخصوص للفكرة/النظريّة بعد إجتثاثها من سياقها التاريخي ومدارها الجغرافي، يضعها (كلّ هذه التيّارات العاجزة عن تحيّين أطروحاتها) في خندق مصطلح "السلفيّة" وتصبح هذه العبارة حمّالة أوجه، تتحدّد معانيها ودلالاتها حسب السياق الذي ترد فيه، ويصيب فيروسها، مادام الكلّ مصابا بداء تفسّخ الوعي التاريخي، حتى من يناصبونها العداء ويقفون منها موقف النقيض: اليسار
مازال الكثير من "يسارنا" لا يطّلعون على أخبار شعبه إلاّ ما تجود به عليهم "البرافدا" بل مازالوا يعيشون بين ظهراني لينين أو هو يعيش بين ظهرانيهم، لم تصل إليهم أخبار الإرث الستاليني البشع ولا ثورة الطلاب ولا سقوط جدار برلين ولا إنهيار الإتحاد السوفياتي ولا العولمة بما تحمله من نسخة إمبرياليّة معدّلة جينيّا لزيادة فاعليّة الفتك بالمضطهدين والمستغلين، فما بالك بأنباء إنتفاضات المهمّشين والمعطلين التي إنطلقت من تونس وإجتاحت الوطن العربي وإمتدت جذوتها ليتلقفها ضحايا رأس المال في عقر العواصم الغربيّة.. كلّ ذلك وغيره كثير لم يصل إلى أسماعهم بل ربما علموا به وجحدوه.. فقد تحلّل يسارنا وفقد ملامحه ولم يزل يحتفظ إلاّ بظلال مشوهة للجدليّة الماديّة وبأطياف باهتة للتنظيم العمّالي وبفقاعات كاذبة للشعارات الثوريّة. تكلّست أفكاره وشُلّت حركة التفكير في أوساطه واستفحل سرطان الطاعة المكبّل حتى في عقول شبابه من ذوي الطاقات المتفجّرة فباتت "فتاوى" لينين وحدها من تدلّهم على معالم الطريق نحو الثورة، وأضحى ماركس "حبرا أعظما" يُستدرّ عطفه ورضاه، يلهجون بذكره ويتلـُون على روحه "وِرد الطبقة العاملة" وما تيسّر من "آيات" الشكر للفلاحين
بإختصار، مازال هؤلاء "الرفاق" يعيشون في أجواء الثورة البلشفيّة. قرن كامل يفصلهم عن واقعهم المتغيّر اليوم وأوفرهم عافيّة لم يُشفى بعد من روماتيزم الحرب الباردة الذي يبّس مفاصله ومنعه من الحركة، أمّا من إستجمع "قواه التقدميّة" وقرّر أن ينضمّ إلى ركب الحداثة ولو كلّفه ذلك أن يستأصل لسانه ويزرع مكانه لسانا بورقيبيّا، بات والدساترة أشبه بتوأم سياميّ حياة أحدهما متصلّة بحياة الآخر، يعاقران سويّة حداثة إستـُجلبت خصيصا من بلاد الغال، يريدون توطينها وإستنباتها قسرا في هذه الأرض حتى لو إستلزم الأمر تغيير الجينات الثقافيّة للشعب التونسي.. بعض الطوائف اليساريّة يقف ولاؤها في حدود "الخليفة" الأول لماركس (لينين) وبعضها عند "الحاكم بأمره" ستالين، وآخرون يسفهونه ويتشيّعون إلى غريمه تروتسكي، وطائفة تقف سلسلة الأئمة المعصومين" لديها عند ماو تسي تونغ الخ.. فتتسابب تلك الشيَع وتتناعت بالردّة والتحريف وفساد العقيدة على المستوى النظري، وبالإنتهازيّة على صعيد الممارسة السياسيّة وإن كانت الحقيقة الثانيّة صادقة في أغلبهم
إنّ التقييم والتأويل والإستنباط في النص الماركسيّ حق للكلّ ناظر في هذا الطرح وواجب تمليه المقاربة العلميّة والممارسة العلميّة الواقعيّة، لكنّ إدعاء إمتلاك الحقيقة الكاملة للنص التأسيسيّ إجحاف وتكلّس وعين السلفيّة التي تولّد بالضرورة تطرّفا. فكلنا يعلم أن هذا النص التأسيسيّ نص يدّعي العلميّة، أو لنقل عنه تجاوزا، وبالتالي فلا يجوز إخراجه قسرا من ظروف عصره نظرا لمحدوديّة مدّة صلوحيّته العلميّة خاصة وأن كارل ماركس نفسه يجزم بأن "الفلاسفة لا يخرجون من الأرض كالفطر، وإنما هم أبناء عصرهم وبيئتهم" فمن العقلانيّة أن لا يستثني هذا القول فلسفة ماركس أيضا
وبما أنّ تاريخ المعارف هو "تاريخ تصحيح الأخطاء" والعلم ذاته "يتقدّم على جثث الأفكار" وبما أنّ مرتكزات كلّ المعارف الإنسانيّة لا يمكن التعاطي معها على أنها نصوص ميتافيزقيّة عابرة للزمان والمكان، فإنّ عدم الانضباط للمعايير الموضوعيّة والعقلانيّة في تناولها والتعامل معها يجرّ بالضرورة إلى الإساءة إلى هذه المعارف/المنطلقات ويشوّه بالتالي فهم الحاضر ويعجز عن تغييره ويؤدّي حتما إلى سلفيّة متحجرّة وحالات من السكتة الدماغيّة كتلك التي إجتاحت مجمل النخب السياسيّة التونسيّة بمرجعيّاتها المختلفة من إسلامويين وقومجيين ولييبرتاليين ومتمركسين.. فتتجلّى حقيقة أخرى قاسيّة بأن مجتمعنا مخترق سلفيّا إلى حدّ كبير، سلفيّات متنوعة ومتناقضة المذاهب والتوجهات، وفي تناقضها إتحاد ضدّ معايشة العصر وتنسيب الأفكار والقطع مع التبعيّة للماضي أو تجاوزه. إنها أرواح جثث السلف عندما تتلبس بالإنسان فيغدو كائنا أسطوريّا متعاليا على التاريخ ومنقطعا عن الواقع، بل يستحيل إلى كائن ضبابيّ يكاد لا يلامس الأرض ولا يعي أوجاعها
_______

المقال للرفيق: حمد الغضباني - بتصرّف
الرسم الكاريكاتوري ABDEL ©

[M o l o t o v | مـو لـو تـو ف]

سلفيّات: موسم الهجرة إلى الماضي
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Archives

Articles récents